الحياء خلق المسلم ، يرتفع به عن كل دنيء من الأعمال والأقوال ، ويحافظ به عـLـي كريم العادات وجميل الصفات ، وهو من الإيمان ، وعلامة الفضل والإحسان ، وهو أيضا من الفطرة التي ركبها الله في النفس البشرية ، لا يتركه إلا من ارتكست فطرته وبلي إيمانه .

وللحياء مظاهر كثيرة ، منها : التستر حال لقاء الرجل بزوجته عن أعين الآخرين ، بل وعَن سمع الآخرين ، عن كل مَن يدرك ويميز ما يراه ويسمعه ؛ لما في لقاء الرجل بزوجته من كشف العورات التي جاء الإسلام بسترها ، ولما يخشى من إثارة احتياج الناظر أو السامع ، ووقوع ذلك في قلبه موقعا سيئا ، أو تحدثه بما رآه بين الناس ، فينشر أسرار البيوت التي بناها الإسلام عـLـي الستر والعفة والحياء

قال ابن حزم في “المحلى” (9/231) :

” الاستتار بالجماع فرض , لقول الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ) ” انتهى .

وقال ابن قدامة في “المغني” (9/228) :

“لا يجامع بحيث يراهما أحد , أو يسمع حسهما ، ولا يقبلها ويباشرها عند الناس .

قال أحمد : ما يعجبني إلا أن يكتم هذا كله” انتهى .

أما إخراج من لا يميز ولا يدرك كالطفل الرضيع فلم يرد فيه أمر من الشرع ، وليس فيه حديث نبوي ، والنص الذي ورد في السؤال ليس بحديث ، وإنما هو قول لبعض فقهاء المالكية ، اعتمادا عـLـي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أراد لقاء الرجل بزوجته أهله أخرج الصبي في المهد ، مبالغة في التستر والحياء ، وليس بيانا لحكم شرعي ولا إيجابا له ، ولا بأس بتقليده لمن أحبه ووجد سعة في بيته ولم يخش ضررا عـLـي الطفل أن يمكث وحده من غير مراقبة ، أما أن يقال بلزومه مطلقا ، فهذا بعيد .

جاء في “الموسوعة الفقهية” (3/178

“يُخِلُّ بالاستتار وجود شخص مميز مستيقظ معهما في البيت , سواء أكان زوجة , أم سرية (أَمَة) , أم غيرهما , يرى أو يسمع |لـ⊂ــس , وبه قال الجمهور , وقد سئل الحسن البصري عن الرجل يكون له امرأتان في بيت , قال : كانوا يكرهون – يعني : يُحَرِّمُون ، كما هو اصطلاح السلف – أن يطأ إحداهما والأخرى ترى أو تسمع .

ويُخِلُّ بالاستتار وجود نائم , نص عـLـي ذلك المالكية , فقال الرهوني في “حاشيته عـLـي شرح الزرقاني لمتن خليل” : لا يجوز للرجل أن يصـــ،،ــيب زوجته أو أمته ومعه في البيت ( يعني في نفس الغرفة ) أحد يقظان أو نائم ؛ لأن النائم قد يستيقظ فيراهما عـLـي تلك الحال .

ويَخِلُّ بالاستتار – عند جمهور المالكية – وجود صغير غير مميز , اتباعا لابن عمر الذي كان يخرج الصبي في المهد عندما يريد لقاء الرجل بزوجته .

وذهب الجمهور – ومنهم بعض المالكية – إلى أن وجود غير المميز لا يخل بالاستتار ; لما فيه من مشقة وحرج ” انتهى .

وانظر : “المدخل” لابن الحاج المالكي (2/184

 

 

 

 

 

 

 

 

وقال الشيخ ابن عثيمين في “الشرح الممتع” (5/380) – من الطبعة المصرية – :

” الصحيح في هذه المسألة أنه يحرم الوطء بمرأى أحد ، اللهم إلا إذا كان الرائي طفلاً لا يدري ، ولا يتصور ، فهذا لا بأس به ، أما إن كان يتصور ما يفعل ، فلا ينبغي أيضاً أن يحصل لقاء الرجل بزوجته بمشاهدته ولو كان طفلاً ؛ لأن الطفل قد يتحدث بما رأى عن غير قصد .

فالطفل الذي في المهد – مثلاً – له أشهر ، هذا لا بأس به ؛ لأنه لا يدري عن هذا الشيء ، ولا يتصوره ، لكن من له ثلاث سنوات ، أو أربع سنوات ، يأتي الإنسان أهله عنده ، فهذا لا ينبغي ؛ لأن الطفل ربما في الصباح يتحدث ، فلهذا يكره أن يكون وطؤه بمرأى طفلٍ ، وإن كان غير مميز ، إذا كان يتصور ويفهم ما رأى ” انتهى .

والخلاصة : أن ما ذكر في السؤال ليس بحديث نبوي ، وإنما هو قول لبعض الفقهاء ، والصواب الذي عليه الجمهور أنه لا حرج من وجود الطفل الرضيع حال لقاء الرجل بزوجته .

والله أعلم .